قراءة اقتصادية في مضامين ردود رئيس الجمهورية خلال لقائه بالصحافة بقلم: د. مولاي ولد آب ولد آگيگ

قراءة في الشق الاقتصادي من ردود الرئيس خلال لقائه بالصحافة
شكّل المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أول لقاء مباشر وموسع له مع الصحافة الوطنية منذ توليه السلطة، ووفّر مناسبة لعرض رؤية الحكومة بشأن عدد من القضايا الاقتصادية الكبرى، من إدارة الموارد الطبيعية، إلى المالية العامة، والحوكمة، ومكافحة الفساد، وتحسين مناخ الاستثمار.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، لا تكمن أهمية هذه الردود في بعدها السياسي فقط، وإنما في كونها تكشف عن المنطلقات التي تستند إليها السياسات الاقتصادية للدولة، وطريقة قراءة السلطة التنفيذية لمؤشرات الأداء الاقتصادي. غير أن تقييم مدى نجاح هذه الخيارات يظل مرتبطًا بما تعكسه البيانات الرسمية المنشورة، والمؤشرات المستقلة، من أثر فعلي على النمو، والتشغيل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
الموارد الطبيعية… من امتلاك الثروة إلى إنتاجها
من أبرز الرسائل التي حملها المؤتمر تأكيد الرئيس أن موريتانيا لا تصبح بلدًا غنيًا بمجرد امتلاكها موارد طبيعية مثل الغاز أو المعادن أو الثروة السمكية، موضحًا أن هذه الموارد لا تتحول إلى ثروة حقيقية إلا عندما يتم استخراجها ومعالجتها وتسويقها، ثم تحويل عائداتها إلى استثمارات ومشاريع تنموية تعود بالنفع على الاقتصاد والمجتمع.
وتعكس هذه الرؤية أحد المبادئ الأساسية في اقتصاد التنمية، وهو أن وفرة الموارد الطبيعية لا تكفي وحدها لتحقيق الازدهار، إذ تقاس الثروة بقدرة الاقتصاد على تحويل الموارد الخام إلى قيمة مضافة، وإنتاج، وفرص عمل، وتنمية مستدامة.
وقد أظهرت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في إدارة ثرواتها الطبيعية هي تلك التي وظفت عائداتها في تنويع الاقتصاد، وتعزيز رأس المال البشري، وتطوير البنية التحتية، بينما واجهت دول أخرى ما يعرف بـ”لعنة الموارد”، حيث تحولت الثروات الطبيعية إلى مصدر للاختلالات بدل أن تكون محركًا للنمو.
مشروع الغاز GTA… من الإنتاج إلى القيمة الاقتصادية
خصص الرئيس حيزًا مهمًا للحديث عن مشروع الغاز المشترك GTA، موضحًا أن موريتانيا تمتلك 7% من المشروع مقابل 10% للسنغال، وأن هذه الحصة لم تكن مجانية، بل تطلبت تمويلًا يقارب 300 مليون دولار أمريكي في شكل سلفة من شركة BP مع تحمل فوائد هذا التمويل.
كما أشار إلى أن المشروع دخل مرحلة تشغيل متقدمة، معلنًا أنه تم تحميل الشحنة الأربعين من الغاز المخصص للتصدير.
ومن الناحية الاقتصادية، تعكس هذه المعطيات طبيعة المشاريع الاستخراجية الكبرى، التي تتطلب استثمارات ضخمة ومخاطر مالية قبل الوصول إلى مرحلة تحقيق العائدات الصافية. فبدء الإنتاج لا يعني بالضرورة تحقق الإيرادات النهائية مباشرة، إذ تمر هذه المشاريع عادة بمراحل تشمل استرداد التكاليف، وتسديد الالتزامات المالية، وتثبيت الإنتاج التجاري.
ولا تقتصر أهمية مشروع الغاز على الإيرادات المباشرة المحتملة للخزينة، بل تمتد إلى آثاره الاقتصادية الأوسع، مثل تحسين ميزان المدفوعات، وتعزيز احتياطات النقد الأجنبي، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، شريطة أن يتم توجيه العائدات نحو الاستثمار المنتج وبناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا.
المديونية… بين تحسن المؤشر ومتطلبات الاستدامة
وفي حديثه عن المالية العامة، استعرض الرئيس تطور نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، مشيرًا إلى أنها انخفضت من نحو 91% سنة 2019 عند احتساب الدين الكويتي، أو 79% بدونه، إلى حوالي 40.5% حاليًا، معتبرًا أن ذلك يعكس تحسنًا في الوضع المالي للدولة.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، يمثل انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي مؤشرًا مهمًا على تحسن القدرة المالية للدولة، إذ يمكن أن يعزز ثقة المؤسسات المالية والمستثمرين، ويحسن شروط التمويل، ويوسع هامش الحركة أمام السياسات العمومية.
الحوكمة… عندما تصبح الأرقام مؤشرًا على الإصلاح
في ملف الحوكمة ومكافحة الفساد، استند الرئيس إلى مجموعة من المؤشرات الكمية التي اعتبرها دليلًا على تطور منظومة إدارة المال العام.
وأوضح أن نسبة الصفقات العمومية المبرمة بالتراضي من إجمالي الصفقات انخفضت من أكثر قليلًا من 27% سنة 2019 إلى 4.6% فقط مع نهاية سنة 2025.
ولم يقتصر التراجع، حسب الأرقام التي قدمها الرئيس، على عدد الصفقات، بل شمل كذلك قيمتها المالية، إذ بلغت حصة صفقات التراضي نحو 34% من إجمالي الأموال المخصصة للصفقات العمومية سنة 2019، قبل أن تنخفض إلى 13.5% فقط بنهاية سنة 2025.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأن تقييم منظومة الصفقات لا يرتبط بعدد العمليات فقط، وإنما أيضًا بحجم الأموال التي يتم إنفاقها خارج المنافسة المفتوحة. فقد تكون نسبة الصفقات قليلة عدديًا، لكنها تمثل جزءًا كبيرًا من الإنفاق إذا كانت مرتبطة بمشاريع ضخمة.
كما أشار الرئيس إلى إحالة 10 قضايا فساد إلى القضاء خلال سنة 2025، وشمول التحقيقات لنحو 100 شخص، إضافة إلى عزل مسؤولين، وتعزيز دور المفتشية العامة للدولة، والتوسع في رقمنة الإدارة، وإصلاح منظومة الصفقات العمومية وتصنيف الشركات.
ومن منظور الاقتصاد المؤسسي، فإن تعزيز الشفافية، وتوسيع المنافسة، وتقليص اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية، كلها عوامل تساعد على تحسين كفاءة الإنفاق العمومي، ورفع جودة المشاريع، وتعزيز ثقة المستثمرين.
ما يميز الخطاب الاقتصادي في هذا المؤتمر هو اعتماده المتكرر على الأرقام والمؤشرات لتفسير أداء السياسات العمومية، وهو نهج إيجابي من حيث المبدأ، لأن النقاش الاقتصادي يصبح أكثر موضوعية عندما يستند إلى بيانات قابلة للقياس والمراجعة.
لكن الاقتصاد، بطبيعته، يقاس بالنتائج التي تظهر عبر الزمن. فالمؤشرات الحقيقية لأي سياسة اقتصادية تظل مرتبطة بقدرتها على رفع معدل النمو الحقيقي، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة الشرائية، وتقليص الفقر، وتحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة.




